من الزخم إلى النضج: مسيرة السعودية نحو ذكاء اصطناعي قابل للتوسع ومسؤول

تُعد فعالية السحور "غسق"،ملتقى سنويًا يجمع نخبة من القادة وصناع القرار في القطاع. وقد استضافت نسخة هذا العام مجموعة من المتحدثين البارزين، وهم:
- الدكتور محمد الشهراني، الشريك في BridgeGulf Consulting
- عبدالله الفرحه، مستشار قانوني متخصص في حوكمة الشركات
- المهندس شايع الدحيم، المتخصص في قيادة وتنفيذ مبادرات الذكاء الاصطناعي
- عبدالله الخطيب، مدير الحلول في مُزن
واجتمع الضيوف لاستكشاف سبل توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، ودوره في رسم ملامح مستقبل الأعمال والتقنية.
لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي اليوم مرحلةالتجريب بشكل حاسم. ففي مختلف الأسواق العالمية، لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذاكان ينبغي تبنّي الذكاء الاصطناعي، بل حول كيفية تطبيقه بطريقة تحقق قيمة اقتصادية مستدامة مع إدارة المخاطر بفعالية. وتشير الرؤى التي برزت خلال نقاشات “غسق”الأخيرة إلى أن المملكة العربية السعودية تدخل هذه المرحلة الجديدة بوضوح متزايد ورؤية أكثر نضجًا.
وما يلفت الانتباه ليس سرعة التحول فحسب، بل وضوح التوجه أيضًا؛ إذ تبذل المملكة جهودًا مدروسة لمواءمة تدفقات الاستثمار، وأطر الحوكمة، وجاهزية المؤسسات.
لم يكن التسارع العالمي الأخير في تبنّي الذكاء الاصطناعي ناتجًا عن التطورات التقنية وحدها، بل لعب رأس المال دورًا حاسمًا في ذلك.
فقد تركزت الاستثمارات المبكرة فيالمجالات ذات التطبيقات التجارية المباشرة، وعلى وجه الخصوص الرؤية الحاسوبية، حيثأمكن تحويل حالات الاستخدام بسرعة إلى منتجات قابلة للتطبيق وعوائد مالية واضحة.وعلى النقيض من ذلك، ظلت نماذج اللغة متأخرة لسنوات رغم نضجها التقني، ويرجع ذلك إلى غياب طبقة منتجات واضحة ومسارات عملية للوصول إلى السوق. إلا أن هذا الواقع تغيّر مع ظهور واجهات استخدام سهلة ومتمحورة حول المستخدم، ما أدى إلى إطلاق دورة استثمارية جديدة وتحول كبير في توجيه رؤوس الأموال.
وبالنسبة للمملكة، فإن الدلالة واضحة:نمو الذكاء الاصطناعي يرتبط بوضوح الجدوى التجارية، وليس بكثافة البحث العلمي وحدها. فالأسواق تجذب رؤوس الأموال عندما تلتقي التقنية وسهولة الاستخدام والحوكمة ضمن منظومة واحدة متكاملة.
ومن منظور المستثمرين، يؤكد ذلك أهمية النظر إلى تطور الذكاء الاصطناعي كمراحل متعاقبة، تُفتح كل منها عبر محفز مختلف،سواء كان الجاهزية التنظيمية، أو الثقة، أو العائد الاقتصادي الواضح.
الحوكمة أصبحت ميزة تنافسية
في العديد من الأسواق، يُنظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها عائقًا أمام الابتكار. أما في المملكة، فيبدو النهج مختلفًا تمامًا.
فقد ساهمت الأطر الأخلاقية الوطنية والانخراط المبكر مع الجهات التنظيمية في رسم الحدود التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتوسع ضمنها، خصوصًا في القطاعات المنظمة مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية والخدمات الحكومية.
كما تطور الموقف التنظيمي في المملكة بوتيرة أسرع من العديد من الأسواق العالمية، مما أعاد تشكيل كيفية التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي على المستوى المؤسسي.
وقال الدكتور محمد الشهراني، الشريك في BridgeGulf Consulting:
«شهدت المملكة خلال السنوات الخمس الماضية تقدمًا ملحوظًا، ليس فقط في مجال الذكاء الاصطناعي، بل عبر مختلف القطاعات. واليوم، لايزال الاتحاد الأوروبي يعمل على استكمال قانون الذكاء الاصطناعي، بينما حققتالمملكة بالفعل خطوات متقدمة في هذا المجال.»
ويحمل هذا التحول دلالات مهمة للجهات التنظيمية ومجالس الإدارات على حد سواء. فحوكمة الذكاء الاصطناعي أصبحت اليوم قضية استراتيجية تشمل المشتريات، والمساءلة، وشهية المخاطر، بدلًا من اقتصارها على الفرق التقنية فقط.
وبالنسبة لصنّاع السياسات، يفتح ذلك المجال أمام نموذج تنظيمي يوجّه رؤوس الأموال نحو ابتكارات متوافقة ومحلية الصلة،بدلًا من دفعها إلى خارج السوق.
وفي هذا السياق، أصبحت وظيفة المشتريات نقطة تحكم محورية في كيفية دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى البيئات الخاضعة للتنظيم.
وقال عبدالله الفرحه، المستشار القانوني المتخصص في حوكمة الشركات:
«عندما تبدي جهة ما اهتمامًا بالتقنية وتستعد لشراء خدمات أو حلول من شركة مثل مُزن أو غيرها، يصبح دور إدارة المشتريات داخل المؤسسة عنصرًا أساسيًا في عملية التقييم والاختيار.»
لماذا تفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي؟
استنادًا إلى خبراته في التنفيذ، أوضح المهندس شايع الدهيم أن معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي لا تفشل بسبب ضعف النماذج،بل لأن المؤسسات تبدأ التنفيذ دون تحديد واضح لحالات الاستخدام أو جاهزية البيانات.
فالعديد من الجهات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قدرة عامة ومجردة، بدلًا من اعتباره أداة مرتبطة بقرارات أعمال محددة. وبدون بيانات منظمة، وعمليات ناضجة، وملكية تشغيلية واضحة، لا يفعل الذكاء الاصطناعي سوى تضخيم الفوضى المؤسسية القائمة.
وبالنسبة للجهات الحكومية والهيئات التنظيمية والمؤسسات المالية، فإن هذه النقطة بالغة الأهمية. فالذكاء الاصطناعي لايخلق الحوكمة، بل يكشف ما إذا كانت موجودة أصلًا.
كما أن ذلك يغيّر طريقة تقييم المستثمرين للمخاطر؛ إذ يتحول التركيز من اختيار النماذج إلى جاهزية المؤسسة لاتخاذ القرار.
غالبًا ما تركز الروايات العالمية على وجود نقص حاد في المواهب المتخصصة بالذكاء الاصطناعي، لكن الواقع في المملكة أكثر تعقيدًا.
فالقدرات القيادية العليا تشهد تطورًا ملحوظًا، كما يدخل السوق عدد متزايد من الكفاءات التقنية في المراحل المهنية المبكرة. إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في الإدارة الوسطى، وهي الطبقة المسؤولة عن تحويل الاستراتيجيات إلى تنفيذ فعلي ودمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية.
ومن المشجع أن أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها بدأت تسهم في تخفيف هذا التحدي، عبر دعم اتخاذ القرار والتنسيق ورفع الإنتاجية على المستوى الإداري.
كما تعزز المشاركة المرتفعة للنساء في وظائف الذكاء الاصطناعي والبيانات في المراحل المهنية المبكرة من قوة المملكة على المدى الطويل، وهو ما يشكل ميزة هيكلية مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية.
لم تصل نماذج اللغة الكبيرة بعد إلى مرحلة التشبع في قطاع الخدمات المالية، وليس ذلك بسبب ضعف الطلب، بل نتيجة التعقيد التنظيمي والمتطلبات الصارمة التي تحكم الأنظمة المالية.
ولا ينبغي تفسير هذا التباطؤ في التبني على أنه محدودية في الفرص، بل يعكس سوقًا لا تزال مفتوحة أمام الحلول القادرة على العمل ضمن أطر تنظيمية واضحة.
وبالنسبة لقادة التقنية المالية والجهات التنظيمية، تكمن الفرصة الحقيقية في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تدمج الامتثال والشفافية والمساءلة ضمن تصميمها الأساسي، بدلًا من إضافة الضوابط بعد التشغيل.
وفي هذا السياق، لا تُقيّد التنظيمات ا لابتكار، بل تحدد أين يمكن بناء قيمة مستدامة وقابلة للدفاع عنها.
من بين أكثر الأفكار أهمية — وإن كانت الأقل تداولًا — كان الدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على المعرفة المؤسسية.
فمع توسع المؤسسات، وتغير الكفاءات،وإعادة هيكلة الفرق، تتآكل الذاكرة المؤسسية تدريجيًا، ليس فقط على مستوى البيانات، بل أيضًا على مستوى السياق الكامن خلف القرارات السابقة والمفاضلات والنتائج.
ومن هنا، قد تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليس فقط في الأتمتة، بل في قدرته على جعل القرارات السابقة والدروس المستفادة والمنطق المؤسسي متاحة عبر الزمن.
ويسهم ذلك في تعزيز الاستمرارية،وقابلية التدقيق، والاتساق طويل الأمد داخل المؤسسات المعقدة.
وبالنسبة للمؤسسات الكبرى في القطاعين العام والخاص، يرسخ هذا الفهم موقع الذكاء الاصطناعي كأصل حوكمي، وليس مجرد أداة إنتاجية.
ما بعد تبنّي الذكاء الاصطناعي
تشير هذه الرؤى مجتمعة إلى سوق ينتقل من مرحلة الحماس إلى مرحلة الانضباط المؤسسي.
فالاستثمارات موجودة، والحوكمة تنضج،ومسارات تطوير المواهب تتشكل. أما العامل الحاسم اليوم فهو جودة التنفيذ.
وبالنسبة للمستثمرين والجهات التنظيمية وصنّاع القرار في المملكة ودول الخليج، فإن الرسالة أصبحت واضحة:
المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي ستكافئ الجهات القادرة على ما أسسته بشكل فعّال، لا تلك التي تتبناه أولًا
حول "غسق"
يُعد "غسق"، السحور الرمضانيالحصري الذي تنظمه مُزن، ملتقى سنويًا يجمع نخبة من القادة وصناع القرار في المنطقة لمناقشة أبرز التحولات والاتجاهات في القطاع.
[RS1]بتأكد منكتابة الأسماء
.png)

.png)