إعادة النظر في أساليب مكافحة الاحتيال لدى المؤسسات المالية الحديثة

يشهد القطاع المالي في المملكة تسارعًا غير مسبوق. فمن أنظمة المدفوعات الرقمية إلى المحافظ الإلكترونية والخدمات المالية المفتوحة، تتوسع البنية التحتية المالية بوتيرة متسارعة. لكن مع هذا النمو، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع أنظمة مكافحة الاحتيال مواكبة هذا التسارع؟
ومع انتقال المدفوعات إلى بيئات فورية بشكل متزايد، لم يعد التحدي يقتصر على اكتشاف الاحتيال، بل أصبح يتمثل في القدرة على اتخاذ القرار بالسرعة الكافية لاحتوائه.
هذا كان أحد المحاور الرئيسية التي برزت خلال حدث «الاحتيال برؤية جديدة» من مُزن، والذي جمع بين قادة مكافحة الاحتيال، ومسؤولي الالتزام، وخبراء التقنية المالية لمناقشة التحديات التشغيلية التي تواجه المؤسسات المالية اليوم.
وما برز خلال النقاشات لم يكن تحديًا تقنيًا بقدر ما كان تحديًا مؤسسيًا. فمعظم المؤسسات لا تعاني من نقص في البيانات أو أدوات الكشف، بل من صعوبة تحويل البيانات المتفرقة إلى قرارات متسقة وفي الوقت المناسب.

تحديات الأنظمةالمجزأة وتأثيرها على سرعة اتخاذ القرار
تشير شدى الذياب إلى أن واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات اليوم تكمن في طبيعة الأنظمة التشغيلية نفسها. ففي كثير من الحالات، تكونعمليات الوقاية موزّعة على أكثر من إدارة، حيث تعمل أنظمة البطاقات بشكل منفصل عن أنظمة مكافحة الاحتيال، مما يخلق بيئة غير مترابطة.
وتوضح الذياب أن هذا التشتت ينعكس بشكل مباشر على سرعة اتخاذ القرار. ففي بيئة تعتمد على الاستجابة اللحظية، يصبح من الصعب التعامل معالتهديدات عندما تحتاج الفرق إلى التنسيق فيما بينها قبل اتخاذ أي إجراء. وقد تنتشر ثغرة خلال وقت قصير، بينما لا تزال الفرق تحاول توحيد الرؤية.
وبحسب الذياب، فإن هذا النموذج التشغيلي لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يرفع أيضًا مستوى المخاطر، ليجعل الأنظمة المجزأة أحد أكبر العوائقأمام الاستجابة الفورية.
دور الأنظمة اللحظية والشراكات التقنية في تسريع الاستجابة
في المقابل، تؤكد الذياب أن التحول نحو أنظمة تعمل في الوقت الفعلي يمثل نقطة تحول حقيقية في طريقة تعامل المؤسسات مع الاحتيال.وتوضح أن وجود نظام مراقبة لحظي ومتكامل يتيح فهم الأنماط الجديدة بسرعة واتخاذ قرارات فورية قبل أن يتوسع نطاق الضرر، وهو ما لم يعد خيارًا بل ضرورة في بيئات المدفوعات الحديثة. كما تشدد على أن الدور لا يقتصر على التقنية وحدها، بل يمتدإلى طبيعة الشراكة التقنية. وتصف تجربتها مع مُزن بأنها لم تكن مجرد استخدام لمنصة، بل شراكة عملية قائمة على التفاعل المستمر وسرعة الاستجابة. وتضيف أنالانتقال من اجتماعات أسبوعية إلى يومية لعب دورًا مباشرًا في تسريع معالجة التحديات وتطبيق المتطلبات التنظيمية. ومن الأمثلة التي تذكرها الذياب، استخدام أدوات مثل AI Rule Builder، التي تتيح بناء سيناريوهاتمكافحة الاحتيال بلغة طبيعية، مما ساهم في تقليص الوقت اللازم لتطوير القواعدوتعزيز القدرة على مواكبة التغير السريع في أساليب الاحتيال.
جاهزية المؤسسات مقابل تطور أساليب الاحتيال
ورغم هذا التقدم، ترى الذياب أن المؤسسات لا تزال تواجه سباقًا مستمرًا مع أساليب الاحتيال التي تتطور بوتيرة متسارعة. وتؤكد أن الاعتماد على القواعد التقليدية لم يعد كافيًا، فيظل ظهور أنماط جديدة بشكل متكرر لا يمكن التقاطها دائمًا بالطرق المعتادة. ولهذا، تبرز أهمية النظر إلى مخاطر العميل بشكل شامل، من خلال تحليل سلوكه عبر الزمن، وليس فقط تقييم كل معاملة بشكل منفصل. وفي هذا السياق، توضح الذياب أن النجاح في مكافحة الاحتيال لا يعتمد فقط على امتلاك الأدوات، بل على القدرة على التكيّف المستمر، وتحقيق التوازن بين تقليل المخاطر واستمرارية الأعمال. كما تشير إلى أن تبادل الخبرات بين الجهات، كما حدث في جلسة "الاحتيال برؤية جديدة"، يلعب دورًا مهمًا في رفع مستوى الوعي، وتمكين المؤسسات من الاستعداد بشكل أفضل للتحديات المستقبلية.
أوضحت شدى الذياب أن التحدي الأكبر في إدارة الاحتيال اليوم يتمثل في تشتّت البيانات والأنظمة بين جهات وفرق متعددة، مما يصعّب تكوين رؤية موحّدة للمخاطر واتخاذ قرارات سريعة. وفي بيئة تتطور فيها التهديدات باستمرار، فإن أي تأخير في الاستجابة قد يؤدي إلى زيادة مستوى المخاطر بشكل ملحوظ.
وأضافت أن تسريع اتخاذ القرار يتطلب توفر رؤية آنية ومتكاملة للمخاطر، حيث يتيح جمع البيانات والمؤشرات في سياق واحد تقييم التهديدات والاستجابة لها خلال ثوانٍ، وهو أمر بالغ الأهمية في أنظمة المدفوعات الحديثة.
كما أشارت إلى أن تجربة العمل مع مُزن تميّزت بروح الشراكة وسرعة الاستجابة، ما ساهم في تسريع التنفيذ والتكيف مع المتطلبات التنظيمية والتشغيلية. وبيّنت أن القيمة الحقيقية للتقنيات الحديثة تكمن في تمكين فرق مكافحة الاحتيال من بناء وتحديث القواعد بسرعة، بما يساعد المؤسسات علىمواكبة أساليب الاحتيال المتغيرة وتعزيز قدرتها على الاستجابة الفورية. وفي المجمل، أكدت أن نجاح مكافحة الاحتيال يعتمد على تحقيق توازن بين تقليل المخاطر والحفاظ على تجربة عميل سلسة، مع الاعتماد علىالبيانات، والفهم الشامل لسلوك العملاء، والقدرة على التكيّف المستمر مع التهديدات المتجددة.

يعرض الفيديو أدناه منظور بيوتر شميت، رئيس مكافحة الاحتيال في بنك فيجن، حول تطور القطاع المالي في المملكة والتحديات المصاحبة له. ويؤكد شميت أن المملكة حققت مستوى متقدمًا من الرقمنة، حيث أصبحت تجربة العملاء تعتمد بشكل كبير على القنوات الرقمية، ما رفع سقف التوقعات ليس فقط فيما يتعلق بالخدمات، بل أيضًا بمستويات الأمان والقدرة على مكافحة الاحتيال. كما يشير إلى أن أحد عوامل النجاح الرئيسية يتمثل في العملمع مزود تقني محلي مثل مُزن، لما يتمتع به من فهم عميق للمتطلبات التنظيمية في المملكة وقدرة على التكيف مع أنماط الاحتيال المحلية، التي تختلف بطبيعتها من سوق إلى آخر. ويرى أن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في جاهزية المؤسسات أوفرق العمل، بل في محدودية بعض التقنيات المتاحة، التي لا تواكب دائمًا الحاجة إلىالرصد اللحظي واتخاذ القرار بشكل فوري. ويخلص إلى أن القطاع يمتلك الكفاءات والخبرات اللازمة، لكن تحقيق الأثر الحقيقي يتطلب الاستثمار في حلول تقنية متقدمة تدعم العمل في الوقت الفعلي وتساعد على سد الفجوات القائمة.

أثر الرؤية الموحّدة لمخاطر العملاء على جودة اتخاذ القرار
توضح أنوار المرشد أن من أبرز التحديات في بيئات مكافحة الاحتيال الحديثة اعتماد المؤسسات على أنظمة متعددة تعمل بشكل منفصل، مما يؤدي إلى قرارات مبنية على صورة غير مكتملة. فكل إشارة بمفردها لا تعكس بالضرورة مستوى المخاطر الحقيقي، وهو ما يحد من دقة الاستجابة.
وتؤكد المرشد أن القيمة الحقيقية تظهر عند جمع مختلف الإشارات ضمن سياق واحد متكامل، يشمل بيانات الجهاز وسلوك العميل والمعاملات والسجل التاريخي. هذا التكامل يتيح تكوين صورة أكثر شمولًا ووضوحًا للمخاطر، مما ينعكس مباشرة على جودة القرارات.
وبحسب المرشد، فإن تبني رؤية موحّدة لمخاطر العملاء يمكّن فرق مكافحة الاحتيال من الاستفادة من تقييم ديناميكي يُحدَّث باستمرار، ويأخذ في الاعتبار جميع العوامل ذات الصلة. ونتيجة لذلك، تصبح القرارات أسرع وأكثر دقة، كما تصبح أكثر وضوحًا وقابلية للتفسير عند مراجعتها من الجهات التنظيمية.
لماذا أصبح التقييم اللحظي لمخاطر العملاء ضرورة اليوم؟
تشير المرشد إلى أن طبيعة المخاطر تغيّرت بشكل جذري، حيث لم تعد ثابتة كما في السابق. فمستوى مخاطر العميل يمكن أن يتغير خلال دقائق قليلة نتيجة نشاط غير اعتيادي، مثل محاولة دخول مشبوهة أو تغيير في الجهاز أو نمط الاستخدام.
وتحذّر المرشد من أن الاعتماد على تقييمات غير محدثة يؤدي إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات لم تعد تعكس الواقع، وهو ما يزيد من احتمالية وقوع الضرر، خاصة في بيئات المدفوعات الرقمية التي تعتمد على السرعة والفورية.
وتضيف أن الفاصل الزمني بين ظهور الإشارة واتخاذ القرار أصبح عاملًا حاسمًا، حيث قد يكون هذا الفاصل كافيًا لحدوث الاحتيال في حال غياب التحديث المستمر.
وفي هذا السياق، توضح المرشد أن الجهات التنظيمية أصبحت تركز بشكل متزايد على مفهوم الرصد المستمر، وعلى ضرورة تقييم المخاطر منذ اللحظة الأولى لبدء العلاقة مع العميل. وترى أن هذه المتطلبات لا يمكن تلبيتها من خلال المراجعات الدورية التقليدية، بل تحتاج إلى أنظمة قادرة على التقييم اللحظي والمتواصل، بما يواكب التغير المستمر في سلوك العملاء ومستوى المخاطر المرتبط بهم.
الرؤية الموحّدة كركيزة لمستقبل مكافحة الاحتيال
تلخّص أنوار المرشد الرسالة الأساسية لهذا النقاش في مفهوم واحد: الرؤية الموحدة.
وتوضح أن معظم التحديات التي تواجه المؤسسات اليوم، سواء كانت مرتبطة بالأنظمة المجزأة أو الفرق المنعزلة أو البيانات المبعثرة، تعكس في النهاية غياب رؤية موحّدة لمخاطر العملاء.
وترى المرشد أن المؤسسات الأكثر نجاحًا في هذا المجال ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الأدوات، بل تلك التي استطاعت دمج بياناتها ورؤى المخاطر وآليات اتخاذ القرار ضمن إطار واحد متكامل.
وهذا التكامل، كما تشير، هو ما يمنح المؤسسات القدرة على التحرك بسرعة أكبر، واتخاذ قرارات أكثر دقة، والاستجابة بفاعلية أعلى لمخاطر الاحتيال المتغيرة.

.png)
